الذهبي

14

الأمصار ذوات الآثار

وكثير من مدائن الشام ، وقضوا على ثورة البساسيري الرافضي أحد أمراء جند بني بويه ، الذي خطب للعبيديين في بغداد نفسها ، وحاربوا الباطنية « الإسماعيلية » وصلحت البلاد في أيامهم ، وأمنت الطرق ، وهنأت الرعية ، وانتشر العدل ، لكن سنّة اللّه في مداولة الأيام بين الناس أصابتهم كما أصابت غيرهم ، فضعفت دولتهم ، وقام في وجهها الخوارزميون والغوريون من الشرق ، والصليبيون والروم في آسيا الصغرى وبلاد الشام وفلسطين ، ومن ثم زالت وتفرع عنها بعض الدول الصغيرة . وكان من أخطر الأحداث في عهد هذه الدولة ، خروج الصليبيين الفرنجة ، واجتماعهم على الاستيلاء على ديار المسلمين ففي سنة 478 استولوا لعنهم اللّه على مدينة طليطلة أكبر وأحصن مدائن الأندلس ، وعلى غيرها من المدن في تلك الناحية وذلك في عهد ملوك الطوائف . وفي سنة 484 استولوا على جميع جزيرة صقلّيّة وكانت تابعة لسلطان العبيديين في مصر . وفي سنة 490 توجهوا بجحافلهم نحو بلاد الشام والجزيرة فاحتلوا الرّها وأنطاكية وبيت المقدس ، وطرابلس ، وأسسوا في كل واحدة منها إمارة لاتينية ، كما ملكوا كثيرا من مدائن الشام والجزيرة كعكا ، وحيفا ، ويافا ، واللّاذقيّة ، وبيروت ، وصيدا ، وصور ، وجبيل ، وبانياس ، وغيرها الكثير ، فقتلوا فيها مئات الآلاف من رجال المسلمين ، وسبوا نساءهم ، ونهبوا ديارهم وأموالهم ، وعاثوا في تلك الديار التي كان يحكمها السّلاجقة والعبيديون الفساد ، وذلك لما رأوا ضعف هاتين الدولتين ، وما تعانيانه من حروب داخلية قاتلة . ومع ذلك فقد قامت تلك الدولتان بالوقوف في وجه الصليبيين ، ومقاومتهم رغم ضعف إمكانياتهما ، إلا أن الفضل الأكبر في ردع حملات الصليبيين الحاقدة ، واسترداد البلاد الإسلامية منهم ، كان للدولة الأتابكية في الموصل وحلب ، والدولة الأيوبية ، ومن ثمّ دولة المماليك . وقد سبق أن الدولة الغورية قامت في وجه الدولة السّلجوقية ؛ والدولة